نورالدين علي بن أحمد السمهودي
35
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
سقط بعضها ، وهو بلا سقف ، وحيطانه مهدومة ، وقد كان مبنيّا على شكل بناء مسجد قباء ، وحوله بساتين ومزارع . وذكر في ذرعه شيئا الظاهر أنه تحريف فإنه قال : طوله نحو العشرين ذراعا وعرضه كذلك ، وهذا لا يطابق ما عليه المسجد اليوم ولا ما قدّمه هو من الوصف ولعله خمن أن ذرعه كذلك في حال غيبته عنه ، فقد قال المطري : إن ذرعه نحو من خمسة وأربعين ذراعا ، وعرضه كذلك . قال : وكان فيه أساطين وعقود ومنارة في مثل موضع منارة قباء ، فتهدّم على طول الزمان ، ووقعت منارته ، أثرها اليوم باق تعرف به ، وأخذت أحجاره جميعا . قال المطري : وبقي أثره إلى العشر الأول بعد السبعمائة ، فجدّد وبنى عليه حظير مقدار نصف قامة ، وكان قد نسي فمن ذلك التاريخ عرف مكانه . قلت : وهو اليوم على الهيئة التي ذكرها المطري ، وقد اختبرت ذرعه فكان من القبلة إلى الشام أربعة وأربعين ذراعا وربعا ، ومن المشرق إلى المغرب ثلاثة وأربعين ذراعا ، وقد جدّد بناء جداره الشجاعيّ شاهين الجمالي شيخ الحرم النبوي وناظره عام ثلاث وتسعين وثمانمائة . مشربة أم إبراهيم ومنها : المسجد الذي يقال له « مشربة أم إبراهيم عليه السلام » . وروى ابن زبالة ويحيى من طريقه وابن شبة من طريق أبي غسان عن ابن أبي يحيى عن يحيى بن محمد بن ثابت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم « صلّى في مشربة أم إبراهيم » . وروى ابن شبة فيما جاء في صدقات النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ابن شهاب أن تلك الصّدقات كانت أموالا لمخيريق ، كما سيأتي ، وعدّ منها مشربة أم إبراهيم ، ثم قال : وأما مشربة أم إبراهيم فإذا خلفت بيت مدراس اليهود فجئت مال أبي عبيدة بن عبيد الله بن زمعة الأسدي فمشربة أم إبراهيم إلى جنبه ، وإنما سميت مشربة أم إبراهيم لأن أم إبراهيم ابن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولدته فيها ، وتعلّقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة ، فتلك الخشبة اليوم معروفة ، انتهى ما رواه ابن شبة عن ابن شهاب . قال ابن النجار : وهذا الموضع بالعوالي من المدينة بين النخيل ، وهو أكمة قد حوّط عليها بلبن ، والمشربة : البستان ، وأظنه قد كان بستانا لمارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي صلى اللّه عليه وسلم . قلت : قال في الصحاح : المشربة بالكسر - أي : بكسر الميم - إناء يشرب فيه ، والمشربة بالفتح : الغرفة ، وكذلك المشربة بضم الراء ، والمشارب : العلالي ، وليس في كلامه إطلاق ذلك على البستان ، والظاهر أنها كانت عليّة في ذلك البستان ، وهو أحد صدقات النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا هو الذي يناسب ما تقدم من رواية ابن شبة في سبب تسميتها بذلك .